من أعماق البحر إلى الصنبور.. كيف تعمل محطات تحلية المياه وما أهميتها في تعزيز أمننا المائي؟
في سياق يتصاعد فيه الإجهاد المائي وتتراجع الموارد المائية التقليدية، تفرض تحلية مياه البحر نفسها خياراً استراتيجياً لا بديل عنه لتعزيز الأمن المائي وضمان استمرارية التزويد بالماء الصالح للشرب. وتُعرَّف هذه التقنية بوصفها عملية تحويل مياه البحر المالحة إلى مياه عذبة صالحة للشرب والاستعمال، من خلال إزالة الأملاح والشوائب وفق معايير الجودة المعتمدة، مما يجعلها مصدراً غير تقليدي يفك الارتباط بالتساقطات المطرية المتقلبة.
وتمر عملية تحلية مياه البحر بأربع مراحل تقنية متكاملة، تبدأ بـسحب مياه البحر من الأعماق عبر منشآت متخصصة، تليها مرحلة إزالة الأملاح والشوائب باستخدام أغشية ترشيح متطورة تعمل على فصل الجزيئات الضارة عن الماء. وفي المرحلة الثالثة، تُعالَج المياه بتقنية التناضح العكسي التي تُعدّ من أكثر الأساليب فعالية في تنقية وتحلية المياه، لتنتهي العملية بـتوزيع الماء الصالح للشرب على المنازل والمرافق بعد التحقق من مطابقته لمعايير الجودة المعمول بها.
وتتعدد الأسباب التي تجعل تحلية مياه البحر خياراً استراتيجياً محورياً، إذ تُسهم في تعزيز الأمن المائي الوطني وتوفير مصدر إضافي للماء مستقل عن التقلبات المناخية، كما تُعزز تزويد المدن الساحلية بـالمياه وتُمكّن من مواجهة فترات الجفاف الطويلة دون اللجوء إلى ضخ مفرط من الفرشات المائية الجوفية أو الاعتماد الحصري على خزانات السدود.
وتبرز أهمية هذه التقنية بشكل خاص في المملكة، حيث تتراجع حصة الفرد من الموارد المائية بشكل مستمر في ظل تعاقب سنوات الجفاف وتنامي الطلب. وتندرج محطات تحلية المياه المُنجزة والمبرمجة على طول الساحل المغربي ضمن الاستراتيجية الوطنية للماء، التي تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية من المياه المحلاة إلى 1.7 مليار متر مكعب سنوياً بحلول سنة 2030.
وفي خضم هذه التحولات، يتواصل توعية المواطنين بمفهوم تحلية المياه وتحسيسهم بأهمية الحفاظ على الموارد المائية وترشيد استهلاكها، إيماناً بأن الأمن المائي مسؤولية مشتركة تتكامل فيها الجهود المؤسساتية مع الوعي الفردي لضمان استدامة الماء لفائدة الأجيال القادمة.