تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

خبير دولي: "المغرب نموذج في إدارة أزمات المياه.. ويجب تحويل وفرة الموارد المائية إلى صمود مناخي مستدام"

خبير دولي: "المغرب نموذج في إدارة أزمات المياه.. ويجب تحويل وفرة الموارد المائية إلى صمود مناخي مستدام"

يُشكّل الوضع المائي الراهن بالمغرب، المتسم بانتقال مفاجئ من الجفاف الحاد إلى فترات وفرة هيدرولوجية استثنائية، مناسبةً لتعزيز منظومة حوكمة الموارد المائية وتطويرها نحو نموذج أكثر صموداً أمام تقلبات المناخ. وفي هذا الإطار، يرى خبراء الحوكمة الدولية أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التعامل مع ندرة المياه وحسب، بل أيضاً في استيعاب الوفرة المائية الظرفية وتوظيفها مورداً استراتيجياً بدلاً من أن تتحول إلى كارثة.

وفي هذا السياق، يُبرز الخبير الدولي في مجال الحوكمة والاستراتيجيات العامة، ميشيل فيالات، أن المغرب أثبت قدرات استثنائية في تدبير أزمات المياه، من خلال إجلاء حوالي 50 ألف نسمة بمدينة القصر الكبير خلال ساعات معدودة إبان أحداث الفيضانات الأخيرة، في مشهد يجعل المملكة مرجعاً دولياً في إدارة الأزمات الهيدرولوجية. غير أن الرهان الأكبر يبقى في الانتقال من الاستجابة الآنية إلى التخطيط الاستباقي لمواجهة الظواهر المناخية القصوى.

وعلى صعيد الإجراءات الهيكلية المقترحة، يُحدد الخبير عشرة محاور استراتيجية تشكل مجتمعةً منظومة متكاملة لحوكمة الموارد المائية، في مقدمتها إعداد خريطة وطنية للمخاطر الهيدرولوجية، وتحديث شبكات الصرف الحضري وإنشاء أحواض تخزين احتياطية. ويُضاف إلى ذلك صيانة الأودية وروافدها وإزالة العوائق التي تعيق جريان المياه، فضلاً عن تحديث محطات معالجة المياه العادمة وإخضاعها لمعايير تشغيلية أكثر كفاءة. كما يُعلي الخبير من شأن التغذية الاصطناعية للفرشات المائية خلال فترات الوفرة المائية باعتبارها آلية جوهرية لحفظ الموارد المائية الجوفية وتجديدها.

 

 

وتشمل المحاور المقترحة كذلك تطوير أنظمة الإنذار المبكر عبر تطبيقات رقمية مباشرة وتكثيف حملات التوعية المدرسية بأهمية الماء، إلى جانب الاستثمار في البحث الهيدرولوجي وتكوين المنتخبين والعاملين المحليين في إدارة أزمات المياه. ويرى الخبير أن هذه المحاور مجتمعةً تُمثّل رؤية متكاملة قادرة على تحويل التساقطات الاستثنائية من خطر داهم إلى فرصة لبناء أمن مائي مستدام.

وعلى الصعيد الإفريقي، يُطرح نموذج التعاون الإقليمي في تدبير الموارد المائية بوصفه ضرورة استراتيجية، إذ يتوفر عدد من دول أفريقيا الوسطى على إمكانات مائية جوفية ضخمة تتجاوز حاجياتها الوطنية، مما يجعلها قادرةً على أن تُصبح مُصدِّرةً للمياه نحو مناطق تعاني عجزاً مائياً هيكلياً. ويستوجب هذا التوجه تطوير بنيات تحتية عابرة للحدود لنقل المياه على غرار خطوط أنابيب الغاز القارية، في ظل توقعات بتصاعد ظاهرة تسليع المياه وتنامي التدفقات العابرة للحدود مستقبلاً.

وتُجسّد هذه الرؤية التحولَ المطلوب في حوكمة المياه بالمغرب وعلى الصعيد الإفريقي، من نموذج رد الفعل إلى نموذج الاستباق، ومن إدارة ندرة الماء إلى تدبير الوفرة بذكاء واستراتيجية. وهو تحول يتطلب بناء مؤسسات قوية وأطر تشريعية ملائمة وشراكات إقليمية فاعلة، تضع الأمن المائي في صميم أجندة التنمية المستدامة للمنطقة.